البخاري
تصدير 29
صحيح البخاري ( ط أوقاف مصر )
[ تركه لوطنه وسفره إلى بيت اللّه الحرام مع أمه وأخيه ] ومهما تكن قيمة هذا التفسير الذي عرضناه ، فإن البخارىّ لم يفارق وطنه إلّا بعد أن طعن في السادسة عشرة كما قال فيما ذكرناه آنفا ، حين يسّر اللّه له أول رحلة مقدسة ، فكانت أجلّ خاتمة لواحد من أطوار حياته ، وأكرم فاتحة لطور منها جديد . ففي سنة 210 ه ( عشر ومائتين بعد الهجرة ) خرج أبو عبد اللّه من بلده بخارى ، مودّعا عهد الاستقرار ، والعيش المقيم في رحاب الأهل والعشيرة ، متخطّيا مرحلة التكوين والتلمذة المحضة ، والأفق العلمي المحدود بحدود وطنه ، خرج مع أمه وأخيه أحمد - وكان أسنّ منه - ليؤدوا فريضة الحجّ ، فلما انتهى الموسم ، قفلت الأمّ إلى بخارى مع ابنها الأكبر ، وبقي هو في حرم اللّه ، وفي جوار بيته ، ليستقبل العهد الجديد ، عهد الرحلة الدائبة التي لا تقيم إلّا بمقدار ما تأخذ من جديد المعرفة ، وعهد التبحر في العلم والرواية ، وعهد التحصيل في أفق رحيب ، يمتدّ نطاقه على محيط العالم الإسلامي كله ، وعهد التصدر لمنصب الأستاذية في كل بلد ينزله ، مع دوام التلمذة لكل من يجد في الجاوس إليه فائدة ، وعهد التسجيل لمحصوله العلمي الغزير ، وتأليفه على نحو يفيد الإسلام والمسلمين . [ بقائه بمكة ورحلته إلى المدينة ] وقد استهلّ البخارىّ هذا العهد الجديد استهلالا طيبا مباركا ، ووفق كل التوفيق في اختياره لأول نبع يستقى منه العلم خارج وطنه ، فاختار أكرم المواطن على اللّه ، وأشدّها ارتباطا بما ندب لتحمله من حديث رسول اللّه ، وآثر أن يجعل الحرمين الشريفين طليعة ما يتزود بالرواية عن شيوخه من بلاد المسلمين ، فأقام بمكّة ما أقام ، ثمّ رحل إلى المدينة فمكث فيها نحو عام ، حتى إذا استوفى حظا من السماع